انت هنا : الرئيسية » فلسفة » الفلسفة البراجماتية أو النفعية

الفلسفة البراجماتية أو النفعية

الفلسفة البراجماتية أو النفعية

إن كثيرا من الناس يغفل ما للفلسفة "البراجماتية" أو النفعية من أثار سلبية على العالم بأسرة. فلقد عهدنا العلماء والمثقفين يولون وجوههم بالنقد شطر الشيوعية والرأسمالية والمذاهب الشمولية بعامة وينسون أو يتناسون البراجماتية التي لا تقل في نظري خطرا عن تلك المذاهب إن لم تفقها. فالبراجماتية هي المذهب الفلسفي الرسمي في الولايات المتحدة "براجماتياً"، وأعني بهذه العبارة أنها النزعة الفلسفية التي يتجه إليها معظم الأمريكان في تفكيرهم وطرائق معيشتهم، خاصتهم وعامتهم، والمثقف منهم والجاهل.

إذ لقد ساهمت هذه الفلسفة في تكوين المزاج النفسي للإنسان للأمريكي وفي رسم المسودة العقلية الأولى للمفكر الأمريكي. فانعكس ذلك بالنتيجة على المجتمع الأمريكي بمفاهيم خطيرة أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

- الاهتمام بالمصلحة (المنفعة) الوطنية الضيقة فحسب.

- النظر إلى "العالم الثالث" باعتباره أداة لمنفعة الأمريكي الذي يظن بالتالي أنه "ينفع العالم الثالث" بما يهبه من مال وحرية وديمقراطية. وهي هنا لا تختلف كثيرا عن الأيديولوجيات الشمولية أو التوجهات الإمبريالية.

- السعي المجنون وراء انتهاب لذات اللحظة الراهنة ما دامت لا تتعارض مع حرية الآخرين ولا تؤدي إلى مفسدة تجلب من الضرر ما يفوق حجم تلك اللذة (المنفعة). ويكفينا ما في هذا المفهوم من اعوجاج أن ميزان الضرر والمنفعة في البراجماتية هو بيد "المفكرين الأحرار" أو أرباب الرساميل وملوك الاقتصاد أو بيد الغوغاء والرعاع أو بيد الإعلام "المحايد" بزعمهم.

- التوجه العام نحو مظهر ال "cool" ونفسية ال "coolness" أي "اللامبالاة" المفرطة في مظاهر الحياة ومزايا الشخصة في مقابل مظهر ال "conservative" (المحافظ) أو ال "traditional" (التقليدي). وهذه ال "coolness" السلبية باعتقادي هي المقابل السفلي لمقام الرضا الإيجابي العلوي في السلوك النفسي الإسلامي. فالأول يعبر عن رضا مفرط بالنفس واستسلام كامل لإملاءاتها أما الثاني فرضا كبير بالله واستسلام كامل لمقاديره.

- تمييع فلسفة القيم والأخلاق إلى درجة يصبح فيها التردد والتشويش الخُلقي هو المظهر الأكبر للعقل الراجح والفكر المنفتح. فالأشياء ، كل الأشياء نسبية - بزعمهم-. وما أراه قبيحا هو عند غيري حسن، وكلٌ مأجور على اجتهاداته وميوله.

لا مجال هنا للإطالة في عرض نتائج وآثار الفلسفة البراجماتية وإنما سقت بعض الأمثلة التي يستوي بخصوصها المثقف الأمريكي النحيل والعامي صاحب البطن الكبيرة "والبطل" السينمائي الهليودي الذي يقوم دائما بالمهمة المستحيلة (Misssion Impossible). هي نتائج مباشرة وغير مباشرة لتلك الفلسفة النفعية.

ولكي أبرئ نفسي من داء التعميم فإني أسجل هاهنا اعترافا بأن ليس كل أمريكي يمثل هذه الفلسفة بمبادئها ونتائجها وسواء في ذلك المثقف والعامي.
ولكي أبري نفسي كذلك من قصر النظر أقول أن الحديث عن المجتمع الأمريكي هو حديث
- إلى حد غير بعيد- عن المجتمع الأرضي بأسره بما أن الأرض أصبحت مؤمركة إلى حد كبير. فهذه القضية تعنينا بشكل مباشر وتتعلق بنا جميعا كسياسيين ومفكرين وفنانين وأرباب أسر وشباب.

وإني لأجزم أن هذه الفلسفة بآثارها المعاصرة قد تسللت إلى عقول وقلوب ونفسيات سكان الأرض أجمع بصورة أو بأخرى وبدرجات متفاوتة من العيارات الخفيفة أو الثقيلة. وأخطر ما فيها هو لبها، فهي لا أدرية مقنعة ومشروع فوضوية متنام نشاهد نموه يوما بعد يوم.

وأظن أن قارئ هذه العجالة حول البراجماتية وآثارها يستطيع بسهولة أن يستنتج نقاط الخلاف أو التضاد بينها وبين عقيدة الإسلام وأخلاقه وتصوفه. ويكفيه في ذلك معرفة أن الإنسان في البراجماتية هو معيار القيم في فلسفة القيم وهو سيد الوجود في الأنطولوجيا وهو المشرع في القانون وفلسفته وهو المنظر "المجرد" الصرف في الإبتستومولوجيا.
وأنها تعبر بشكل أو بآخر عن لا أدرية هذا الزمان
. شأنها في هذا الكلام الأخير شأن الوجودية وغيرها من فلسفات إلحادية أخرى وبعض المذاهب الدينية التي إن عبرت عن شيء فإنما تعبر عن خلاصة: الإنسان الحائر المفصول فصلا باتا عن خالقه وموجده، الإنسان الضائع الذي علق تميمة ذاته المجردة فوكّل إليها.

كلمات البحث الموفِدة:

عن الكاتب

avatar

يسار إبراهيم الحباشنة

عدد المقالات : 47