انت هنا : الرئيسية » أدب ولغة » قصيدة النثر، شعر أم نثر؟

قصيدة النثر، شعر أم نثر؟

قصيدة النثر، شعر أم نثر؟

قصيدة النثر، شعر أم نثر؟ سؤال لا يرتوي من مداد الأدباء وأصحاب الأقلام في الصحف والدوريات الأدبية وغير الأدبية. سؤال يذكرني بالسؤال عن الشر؛ لماذا هو موجود في العالم، أو بالسؤال عن الإنسان، مخير هو أم مسيّر، فأدرج الثلاثة في رتبة الأسئلة الخالدة التي يدلي فيها من يشاء برأيه كما يشاء وما لأحدهم فيها المقال الفصل.

والعجيب في هذا الشأن أن ذا النزعة التاريخية يتحدث فيه بنفس اللغة التي يتحدث بها عن حرب البسوس أو انحدار الإمبراطورية الرومانيه أو ثورة يوليو، وأن ذا النزعة النفسانية يتناولها بمصطلح مدرسة التحليل أو الإشراط أو العلاج الوظيفي، أما ذا الميل الصوفي أو الفلسفي فلا يكتب عنها دون أن يرجع إلى الفتوحات المكية أو كتاب الشفا. ولا أريد أن أخوض في سائر الاختصاصات كي لا تملوا فأمل.

ولكني سأصارحكم القول أنني كثيرا ما أجد المسوغ في هذا الأمر لجل من يكتب فيه. فهؤلاء المساكين يفتح الواحد منهم صحيفة أو مجلة ليجني الفائدة الأدبية أو العلمية فيفاجأ بأحدهم يقول في مطلع قصيدة:

أحمل البئر تحت إبطي ولا أسأل

كهانا من ملوك الزحام

ذاك وجهي يسوق صحراءه في

علبة الدمع عاريا كالظلام

فيضع المسكين سيجارته ويحك جبينه: أي بئر هذه الذي يصح أن تحمل "مجازا" تحت إبط!؟ ماذا يقصد بعلبه الدمع هذه!؟ أنا أعرف أن الظلام مرتبط بالستر في لغه الشعر فما علاقته بالعري هنا؟! ماذا أفهم؟ أو لعلي لم أتثقف كفاية، ولو تثقفت لفهمت من أول قراءة!

ويتأخر آخر صباحا عن عمله عالقا في قصيدة تقول:

من صوب الغيم انطلقت أرملة عذراء ….. ولما أدركنا الغرماء

أشارت إلي قالوا كيف نكلم من كان خصيا؟!

فيتساءل: هل راعا هذا الشاعر الأدب مع القرآن في ذلك التضمين الجزئي؟! وإذا كان هو خصيا فلابد أن يكون زوج "الأرملة العذراء" خصيا كذلك، فيا للصدفة؟! ولماذا قال انطلقت ولم يقل هبطت أم أنه أليق بشاعر النثر أن يعدل عن اللفظ المناسب؟!

 

ولكن مسوغ الكتابة عن شيء ما، لا يسوغ لنا إنكار الضجر منها، فهي ليست قرآنا لا تنقضي عجائبه ولا يسام على التكرار بالسأم. بل قد انقضت عجائبها فلا جديد، وسيمت على التكرار بالسأم الشديد. إلا عجيبة كتبها "أدونيس" من جديد في صحيفة الحياة عنوانها "العرابة والغرابة، تحية لتوفيق صايغ". يقول:

"وبما أنني كنت بين الأُول الذين أطلقوا في اللغة العربية هذه التسمية -يريد قصيدة النثر- مقابسة واصطلاحا، فإنني أسمح لنفسي الآن، بعد مرور نصف قرن، أن أكون كذلك من الأُول الذي يعيدون النظر فيها، طارحا حولها بعض التساؤلات"

يستند أدونيس في قراره هذا إلى أن في كلمة "قصيدة" ما يفرض على الكاتب في هذا النوع من الأدب أن يلتزم في عمله بما يعوض عن الوزن كالإيقاعية والكثافة حتى يؤهل هذا العمل لأن يسمى قصيدة أو شعرا. ولكن الذي رآه أن معظم ما يكتب الآن في هذا النوع لا يلتزم بهذا الشرط، ولا يتمشي مع ما يسميه استراتيجية ذات أبعاد معينة.

يتحدث أدونيس في هذه المقالة حديث المختص صاحب الصنعة الذي يحسن تحليل الظواهر

ويقترح الحلول المستندة إلى دراسة وفهم، هذا ما نظنه على الأقل. ولكن الذي يثير الغرابة هو أنه مصرٌّ كغيره على أن مصطلح قصيدة النثر هو مصطلح مشكل إشكالا مؤرقا وكأن القضية لن تحسم، وكأن قصيدة النثر لن تقال من عثراتها إلا إذا أجمع أصحاب الحل والعقد في هذا الفن على اسم جامع مانع لنوع أدبي تفرع مما يعرف عند الجميع بالشعر.

فيقترح في مقالته تلك اسم "شعرية النثر" أو "الشعرية النثرية" أو "النثرية الشعرية".

ولكنني أعتقد أن مسألة اختيار الاسم تصبح أقل تعقيدا أذا ما تنبهنا إلى الفرق بين التعريف والتسمية ولنأخذ مثالا على ذلك الإنسان فنعرفه بأنه مخلوق حي مفكر ناطق. فهذا التعريف يشير إلى أهم خصائص الإنسان فيفيد التمييز بينه بين غيره. أما كلمة الإنسان -كاسم_ فلا يشترط فيها أن توضح أهم خصائص الانسان ولا أن تميزه كثيرا عن غيره فهي على أصح الآراء مشتقة من الأُنس. وكذلك الحال في الكثير من المصطلحات الثقافية فكلمة أدب مثلا لا تحمل تعريفا بأنها الجميل من النظم والنثر إلا بواسطة الاستعمال والدلالة الاصطلاحية وهي مشترَكة بدلالات اصطلاحية أخرى بين الجميل من النظم والنثر وبين معان أخرى عديدة.

أقول هذا لأذكِّر بأن التسمية هي غير التعريف وأنها إذا اقتربت من التعريف من حيث الإشتقاق أو التركيب فحسن وخير. ولكن إذا تعذر ذلك وسبقته تسمية أقل دقة فلبست دلالة تاريخية لحقبة ما وإن كانت نصف قرن كما هو الحال في تسمية "قصيدة النثر" فلا أظن أن الأمر يحتاج إلى المراجعة أو التردد في القبول أو الاستخدام. فإني لا أكاد أميز فرقا حقيقيا بين قولنا هذه "قصيدة نثر" وقولنا هذه "شعرية نثرية" أو "نثرية شعرية" إذ طالما أننا اعترفنا أن كتابة ما تتسم بالشعرية ولقد تمردنا بداية على "الدوغما" القائلة بأن الشعر هو الكلام الموزون المقفى فحسب، فمططنا عباءة الشعر لتشمل كل ما كتب بلغة شعرية فنية عن مضمون ذاتي حر العاطفة والانفعال، فلا فرق إذن بين ما تشير إليه كلمة قصيدة وبين الوصف بالشعرية، أوليست القصيدة هي القالب الذي يسكب فيه الشعر. فما دام أدونيس وغيره قد نادوا باعطاء الشاعر حق التحرر من الوزن والقافية دون أن يسلبه ذلك وصف الشاعر ودون أن تنفى عما يكتب صفة الشعر فلا أعتقد أنهم قادرون على فرض معيار جديد يفصل بين النثر وقصيدة النثر مهما تحدثوا عن الموسيقى والكثافة والمجانية والصناعة و"استراتيجية التشكيل" وغير ذلك من الأبعاد التي يجب أن يأخذها بعين الإعتبار كل من كان فيه الشعر موهبة أصيلة. ومادما قد أعطينا الكاتب الحق في أن يقصد في ما يكتب أنه شعر وحررناه من المعايير الصلبة فما علينا سوى أن نوضح الأبعاد المذكورة آنفا ونجعلها معايير للتمييز بين "قصيدة نثر" جيدة وقصيدة نثر رديئة. فنقول مثلا: هذه قصيدة نثر رديئة لأنها تكاد تخلو من عناصر الذاتية والإيقاعية أو لأنها ساقطة في هوة الإغراق الرمزي غير المشفوع بمرجعيات تاريخية أو دينية أو تاريخية أدبية أو علمية تزيل عنها بهمتها الرمزية.

إن ما يقوله أدونيس عن كثير من تجليات قصيدة النثر عند جمهرة غفيرة من الشعراء وأشباههم وأنصافهم لا يشق له غبار. إذ لا أثقل على القلب من أن تقرأ قصيدة لا يجعلها كذلك سوى أن كاتبها يريد أن يسميها قصيدة وهي ليست إلا نثرا يصلح أن يكون فصلا من سيرة ذاتية أو كتاب لرحالة قديم أو ترجمة لشعر عن لغة أجنبية أو لربما كان أضغاث أحلام على ورق. ولكن من الذي يستطيع أن يحيي المعايير السابقة فيفرض على كاتب ما أن يقدم عمله تحت اسم آخر غير الشعر فيقلل من الفواصل ويطول السطور ويقول هاؤم اقرأوا كتاب خواطري أو بعض مذكراتي بدلا من أن يقول هاكم ديوان شعري.

 

دعوني أزيدكم صراحة فأقول إننى قد أجد كتابا في الفيزياء أسهل مأخذا إلى فهمي من أكثر ما أقرأ من قصائد نثر. وربما هذا هو الذي جعلني مترددا حتى الآن في نشر ديوان وزيادة من قصائد نثر كتبتها في أثناء اكثر من عشر سنين. ربما يكون ذلك بسبب ما ترسب في أنفسنا أنه من شروط الشعر القيم أن يكون قابلا للاستظهار بسهولة وأن تكون الموسيقى فيه منقدحة في الأذن أولا لتلهب القلب كما هو الحال في الشعر العمودي أو قصائد التفعيلة لا كما هو الحال في قصيدة النثر التي تتطلب من القارئ أن يفرغ الوسع ليبلغ الاتحاد مع الكاتب فتنقدح الموسيقى في القلب أولا لتصل تبعا إلى الأذن اهتزازا أو طربا. فالإيقاع في الشعر التقليدي خارجي جلي يقترب من جمال الجمال يخدم المعنى وربما يسمو به إلى ذرى ليس ببالغها وحيدا ولا هو بأهل لها أعزلا، تماما كما تقرع الخطابة الآذان والقلوب فتراها خافضة رافعة، خافضة لما قد يكون عزيزا عاليا، ورافعة لما قد يكون مبتذلا مطروحا على الطريق.

أما الإيقاع في قصيدة النثر فداخلى خفي يقترب من جمال الجلال يخدمه المعنى بتحرره ليجعله إيقاع عقل بالتفاصيل أو إيقاع روح بالومضة والرمز والإشارة الخاطفة. لا يليق به أن يكون إيقاع تطريب خالص، ويسمج إذا امتدح به حاكم أو افتخر به فارس ببسالته أو وصفت به عواطف بدائية تشترك فيها العامة أو تناول أغراضا كوعظ الشباب أو تعليم الأطفال أو الطلاب أو ما إلى ذلك من أغراض لطالما خدمها الشعر العمودي.

 

لقد كانت القبيلة من قبائل العرب تفرح إذا ظهر فيها شاعر كما تفرح العاقر إذا حبلت بولد. وكان الشاعر يحمل ديوان قبيلته ويشهر اسمها بين القبائل ويعمل عمل الساحر الذي إذا شاء قلب بنظمه مذلة قبيلته إلى عزة إذا ذلت كثيرا، ويجعل عزتها فوق كل العزة إذا عزت قليلا. وكان علامة لها على عبقرية في الدم تجدي أيما إجداء في اكتساب الرفيع من حسب أو نسب. وغير ذلك الكثير من المنافع التي قد يجلبها الشاعر بشعره لنفسه وعشيرته. وكان ذلك كذلك لندرة الشعراء لا سيما الفحول منهم ولأن الشعر كان صنعة لا تقل فيها الحاجة إلى الوهب الإلهي عن الحاجة إلى حفظ القصائد وتطوير الذوق والحذر من الخطل. أما الآن وبفضل شعر التفعيلة ثم الشعر النثري فقد أصبح لكل قبيلة شاعر أو اثنان. وبتنا نرى أفواجا من الشعراء والشواعر على كل المنابر، يتصدرون الصحف وتكتب أسمائهم بالبنط العريض. نراهم كثيرا ونفقههم قليلا ثم لا نرى في القفز عن خربشاتهم بأساً ولا بداً معللين النفس أن الورق رخيص وأن الزبد يذهب جفاء.

ليست بنا حاجة الآن إلى إطالة الجدال والمراجعة في تسمية قصيدة النثر وفي كونها شعرا، بل إن حاجتنا الآن هي إلى النقد الموضوعي للشعر ثم إلى تجنب مجاملة المتشاعرين والتلميع الشعري لبعض الأسماء لمجرد أنهم أمراء أو ممثلون أو أعلام في مجال ما، لا نسمع منهم سوى هراء هواة هاوٍ إلى حضيض الشعر بكل أشكاله وأغراضه.

 

مقالة نشرت في صحيفة الرأي الأردنية

كلمات البحث الموفِدة:

عن الكاتب

avatar

يسار إبراهيم الحباشنة

عدد المقالات : 47