انت هنا : الرئيسية » دين » دندنة حول مقام الحيرة والابتلاء

دندنة حول مقام الحيرة والابتلاء

دندنة حول مقام الحيرة والابتلاء

لا أحد مطالب بأن يفهم كل حقائق الوجود.
ما طولبنا بذلك، لا شرعا ولا عقلا. فهنا زل كثيرون وافتتنوا وما أصعبها من فتنة!
بل الظاهر أن المراد بنا أن يفهم هذا شيئا يغيب عن ذاك. وأن يبلغ فلان مقاما لا يبلغه علان.

وكم من صاحب مقام لا يدري بمقامه.
وكم من صاحب حال لا يعلم حقيقة حاله.
بل كم من صاحب قبض أقرب إلى الفائدة من صاحب بسط، وقد أفاد هذا المعنى سيدي التاج ابن عطاء الله.

فمن فتح عليه باب من أبواب الفهم فخير .. وإلا فلا ضير .. ما دامت الأصول والقواعد راسخة لا تتزحزح،
وما دام إيماننا مطلق بحق الأسماء والصفات وجمال جلال خير حكمةِ كافة التجليات، وحق آية اختلاف ألواننا باختلاف ليل ونهار التلونات.
وبأننا لسنا سوى مظاهر متعددة للتجليات الأسمائية والصفاتية؛
وأننا مظاهر متفاوتة الكمال زيادة ونقصانا، من حيث نحن، لا من حيث الأسماء والصفات.

إلهى … الحمد لك أن قبلتني وشرفتني مظهرا. حتى ولو لم أكن سوى حجر ملقى في فلاة.
بل الحمد لك لو كنتُ أو لم أكن.

ويا سادتي الكرام
قد شطح المتنبي إذ قال:
“كذا أنا يا دنيا إذا شئت فارحلي”

فكذا نحن والدنيا، أجل .. ولكن نحن الذين سنرحل عنها لا هي.

ولكنه أحسن إذ قال:
رماني الدهر بالأرزاء حتى *** فؤادي في غشـاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام *** تكسرت النصال على النصال
وهان، فما أبالي بالرزايا *** لأني ما انتفعت بأن أبالي

ومن نفيس الكلام ما قاله الجنيد رضي الله عنه:
” ليسَ بشنيعٍ ما يردُ عليّ من العالم، لأنى قد أصّلتُ أصلا؛ وهو أن الدار دار غم وهم وبلاء وفتنة، وأن العالم كله شر، ومن حُكمه أن يتلَقّاني بكل ما أكره، وإن تلَقّاني بما أحب فهو فضل .. وإلا فالأصل الأول .”

وإن كنت أرى أنه ما قال ذلك إلا ليلقي في قلوب مريديه عزيمة قلبية. وإلا فالرحمات والألطاف والبركات والخيرات تتنزل مع الانفاس.
بل وأي خير أعظم من أن هو هو.
وان كل الموجودين غيره في عداد المفقودين.
وأن الأشياء كلها لو انعدمت لاستغنينا به عنها.
وأننا لو فُقدنا لاستغنينا بوجوده عن فقدنا.

 

عن الكاتب

avatar

يسار إبراهيم الحباشنة

عدد المقالات : 47