انت هنا : الرئيسية » قصة » الهوية – (قصة قصيرة)

الهوية – (قصة قصيرة)

الهوية – (قصة قصيرة)

 

 الهوية

I    
                                        
إنها زهرة الحياة. هكذا كلما نظر إليها أو لمسها أحس بأنه هو ربيع الفصول. إنه الربيع حينما يراها أو يتذكرها. لقد أحبها من قبل أن يتزوجها، وكان حبه يصّاعد مع مرور كل يوم. عندما ينظر إليها تتملكه الدهشة وتزداد كلما نفذ ببصره الى كينونتها، وتفحص هياكلها: الجسماني والروحاني  والتعبيري. وكان يزداد فرحا ودهشة عندما يتفحص هيكلها الزماني.
أجل، فعند ذلك الهيكل يصبح لحبه طعما مختلفا ولباسا جديدا. فهو عندئذ يعشقها بامتدادها الوجودي والروحي اللامتناهي. يعشقها طفلة وليدة في مستشفى كذا، في عام كذا، في مدينة كذا. ويعشقها صبية بهيكلها الدقيق المستشرف إليه، الساعي نحوه مع حركة الأفلاك. ويعشقها طالبة بمريلتها على كرسي الدراسة تسرح فيه وتشتاق إليه، وهي لا تعرف اسمه ولا رسمه. لا تعرف عنه إلا ما توحيه إرهاصات القدر. كذلك يعشقها امرأة مكتملة قد ازدانت بحلة العطاء والخصب. ويزداد لها عشقا حينما يُخلق فيها من جديد فينتفخ بطنها من لحمه ودمه. وتحتضن بصمته الموروثة، المسطور فيها تاريخٌ من الأرواح الإنسانية. ويعشق فيها التجاعيد التي هي عنوان عشرتهما وأيامهما معا.
 
في هذه الوقفة عند هيكلها الزماني يزداد عشقه لاقتحامه حياتها وفرض القدر إياه عليها، وفرضه حبها له. حينها يتجلى له ضعفها وتسييرها، فيحب الوصلة بينهما، كأنها السلاسل الذهبية أرسلها الخالق لتمزج بين كائنين متطابقين منتميين لبعضهما من قبل أن يدون التاريخ، ويتفرق الناس أشتاتا.  فلا عجب إذا ما حدق كل منهما في عيني الآخر أن تغمرهما غيبوبة إلا عن ذاتهما، وأن تتصدع أكبادهما نشوة ودهشة.
إنها حقا لنعمة كبيرة؛ أن يحبها هكذا، وأن يحدوه حادٍ الى جنة الخلد في حضورها، لأنه ليس بالرجل الناجح في حياته… وما أشقى حياة الفاشلين. مع أن من يراه قد يحسده على وضعه الاجتماعي المريح والفرص الحسنة التي أتيحت له في تجارته وحياته الزوجية الهنيئة. إلا أن فشله كان فشلا داخليا؛ حيث تتقهقر الروح وتتشتت النفس وتتشابك المعضلات لتشكل مزيجا نادرا وفريدا.
فأعتى المصائب هي تلك التي ينفرد بها المرء دون من حوله، ولا يكاد يرى لها مثيلا عند أحد.

Gurdjieff sand footsteps 880x293 الهوية   (قصة قصيرة)

II
في ساعة غسق، إذ صمتت الكائنات كلها لبرهة، وبدا الكون كأنه لوحة زيتية لا حياة فيها ولا حراك، رجع يوسف الى بيته – بعد ساعتين فقط  من العمل- منهكا، محني الرأس لثقل وزره الخفي.
وصل إلى المطبخ، فوجد زوجته تبحث في خزانة عن شيء ما.
يوسف: مساء الخير هدى.
صاحت الزوجة: من؟ … هه … لقد روعتني، سامحك الله. لم أحس بدخولك المنزل.
يوسف: آسف. لم اقصد ذلك.
هدى: كيف حالك حبيبي؟
يوسف: ماشي الحال.
هدى: لقد اشتقت إليك. تصور، تغيب عني ساعتين فقط وأشتاق إليك.
يوسف: شكرا لك.
قالت مستغربة: بل شكرا لك أنت على ردودك المنعشة!
يوسف: اعذريني يا حبيبتي. فإني في مزاج سييء جدا. وأشعر بالتعب الشديد.
اقتربت الزوجة باهتمام . ووضعت كفيها على كتفيه تفركهما وسألت: ما بالك يا روحي؟ هل تشكو من شيء؟ قل لي، فلقد أقلقتني.
أجبر يوسف لسانه على الإجابة: لا شيء … إنني متعب، أحس بأني… إنني متألم جدا.
أمسكت الزوجة بيده وشبكتها بيدها.
– تعال معي إلى غرفة الجلوس وقل لي بالتفصيل ما الذي يؤلمك.
سحبته إلى هناك وهو يمشي وراءها كالطفل الحائر.
جلسا على الأريكة، فوضعت رأسه على كتفها بحنو وأخذت تربت على رأسه ووجهه وقالت: الآن حدثني. ماذا بك؟ ما الذي يؤلمك؟
يوسف: تؤلمني … تؤلمني روحي.
قالت بابتسامة  الحب: يا حبيبي. روحك! تسلم لي روحك. ولكني لا أفهم ما تقصد.
عندما أحس يوسف أن عليه أن يفك لها طلاسم روحه ازداد ضيقه ويأسه وانتفض قائما من بين يديها متأففا منافخا. ثم خرج الى الشرفة علّه يأنس نورا يعيد الأمل إليه من جديد.
لحقته زوجته واقتربت منه مشبكة يديها، متأهبة لحالة جديدة من الأجواء المحيرة الغامضة.
هدى: إنك حقا تثير عجبي. لطالما قلت لي أنك ساعة تراني تزول عنك الكروب وتقطف من جنتي جنىً تحيا به روحك وجسدك. ولكني أحيانا أرى روحك تنفر مني ولا تجد السكينة بين يدي، فأحس أنك تكرهني أو… أو لنقل: زاهد في.
نظر يوسف نظرة في النجوم وقال: ليس الأمر كذلك، بل إني أتمنى أن يدوم صفو جنتي ولا يعكرها شيء. ولكن الأمر أصعب من ذلك … أصعب بكثير. إن المشكلة تكمن في المتناقضات. لا أدري لماذا يتعبني وجودي. مجرد وجودي يرهقني ويضنيني. هذا لا يعني أنني أتمنى أن أكون عدما، فأنا لست زاهدا في ألوان السعادة، ولا أريد أن أحرم منها. فالعدم راحة، والحياة شقاء يتخلله هناء. ولو رجحت كفة الراحة على فتات الهناء المقدسة لتمنيت أن أكون عدما.
هل تفهمت ما بي الآن؟ هل علمت أن ما يؤلمني ليس ضائقة مالية ولا مرضا جسديا ولا فقد عزيز. استغفر الله، بل هو فقد عزيز … إنه فقد هويتي.
هدى: هويتك؟ هل تقصد حقيقتك أو الحقيقة التي تبحث عنها؟
يوسف: أجل. ووالله لقد سألت. سألت الكثيرين، ولكني إلى الآن لم أصل إلى ما يشفي قلبي. لقد سألت أرسطو وديكارت فأجابوا عقلي. سألت الغزالي وأوغسطين فأجابوا وجداني. سألت جيمس وديوي فأجابوا منطقي. سألت نيتشه وسارتر فبكوا بكاء محرقا، وبكيت معهم. سألت وسألت فما أجابني أنا أحد ولا أجاب وجودي. أقول لك يا هدى؛ إن وجودي أصبح حملا ثقيلا علي، ولا أدري إن كنت أستطيع الاستمرار. حقا إني أريد أن أتوقف، أن أقلع. ليت ذلك بالإمكان.
هدى: إنك تتحدث عن شيء لم أشعر به، ولم أقلق يوما بسببه. صحيح أني أتضايق من أشياء شتى وأحس أحيانا أني لا أطيق نفسي. ولكني أظن أنني أعرف هويتي. فأنا أنا؛ خلقت من طين، وفيَّ روح أحيا بها . وأني سأموت يوما ما فأقبر، فإما إلى الجنة وإما إلى النار.
يوسف: آه … ليس عن هذا أسال . فأنا أعرف هذا كله. إنما أريد إجابة لحياتي كلها. فحياتي جزء مني. أريدها هي أن تقتنع. وأقصد بحياتي بيتي وعملي، حديثي وتصرفاتي. أحيانا، عندما أكون معك أو أتحدث الى أحد أتذكر أنني لست أنا وأن الذي يتحدث هو شخص غريب عني، مبهم الماهية فأحس بالخوف والغم فيثقل الكلام علي وأتمنى أن أنام.
هدى: أعتقد الآن أني أدركت ما تقول وفهمت شعورك.
تبسم يوسف من قولها وقال رافعا حاجبيه: لا أعتقد يا حبيبتي … لا أعتقد.

fly الهوية   (قصة قصيرة)
أدارت هدى رأسها، تنفست بعمق وقالت: أنت دائما تعتقد أني أقل إدراكا منك. صحيح أنك كثيرا ما تمدحني وتقول: ذكية. ولكنك تقول في قرارة نفسك: للأسف، لا تستطيع أن تحلق معي في سمائي وتواجه الصعاب التي تعترضني. وهذا يدل على أمر مهم ومؤسف أيضا؛ وهو أنك تشك في انتمائنا لبعض. يوسف، أنا وأنت ننتمي لبعض. صدقني ولا تصغي لوهمك. لقد خلقني الله لك؛ لجسدك ونفسك وروحك… ووجودك هذا الذي تتحدث عنه. يوسف، أن تجربتنا ليست كأي تجربة، وحبنا لا كأي حب. لقد كنا متفاهمين جدا قبل الزواج وبعده. وكنا نتحدث عن تجاربنا الروحية المتشابهة. لقد كنت أنا نافذتك الى الوجود بأسره، وأنت كنت لي كذلك.
ولن أنسى.. لن أنسى الكلمات الرائعة التي قلتها لي ليلة دخلتنا. أتذكر؟ لقد قلت ووجهك يتلألأ نورا وجمالا: “أنا الآن عرفت نفسي وعرفت كل شيء. الآن امتزجت ذاتي بكل شيء خلقه الله. امتلكت السر العظيم الذي أودعه الله في روحك. كأن الكون كله صفحة مفتوحة أمام ناظري”.
ابتسم يوسف ابتسامة عريضة مستمرة، وتمايل رأسه بنشوة غامرة. فسُرّت زوجته أيما سرور لأنها نجحت في أن تزحزحه من سواد اليأس إلى نور الذكرى الطيبة. وضع يده تحت ذقنه وحدق بها كأنه يطلب المزيد فتابعت حديثها بسرعة: أتذكر أيضا، قبل سنتين، عندما أمطرت السماء بغزارة، فانتصبت واقفا وقلت: هدى، هذه ساعة مباركة. إن هذا الغيث حديث عهد بربه. هلمي كي نتبرك. وجررتني وراءك حافية الى الخارج. كيف غمرنا المطر فقلت لي بصوت عال: “إن كلمة لا إله إلا الله هي حصن الله، ومن دخل حصنه أمن عذابه”. ثم رفعت لي شاهدي ونطقنا بالشهادتين معا.
يوسف: إيه… ما أروع تلك اللحظة. حينها أحسست أن الزمان قد طوي وأن الساعة قامت ومرت ودخلنا أنا وإياك الجنة يدا بيد. وأننا بين يدي الله، خالقنا وبارئنا، الذي صورك وصورني ونفخ فينا من روحه التي نتخاطب بها الآن ويحب بعضنا بعضا بسرها… بين يديه! … آآه.
هدى: نعم. تذكر يا مجنون تذكر. هذا هو وجودك الذي تبحث عنه. قل لي كم من الناس لديه ما تملك؟
سالت الدموع من عينيه، فاتبعته هدى فورا بفيض منهمر. ثم احتضنته فامتزجت دموعهما، واعتصرته بقوة. أما هو فقد احتشد الألم في حلقه وأجهش بالبكاء. كانت هي في ذروة السعادة وهو في ذروة الراحة والألم؛ لقد كان مرتاحا لبكائه ومتألما ليأسه.
وفي تلك الحال، همس في أذنها: حبيبتي، إن الأمر اصعب مما تتخيلين.
أبعدت رأسها ببطء محبطة القلب والعينين، وارتمت على الأريكة. هتفت: أصعب من ذلك؟ ماذا هنالك بعد؟
وقف غاضبا وقال: أتظنين أن الأمر بهذه السهولة؟!
لا أدري … لا أدري كيف أفسر لك. لقد كنت طوال عمري أبحث عن الحقيقة وأسعى لأن أتحد بالمثل الأفلاطونية وأن أفارق هذه البلاقع. ولكن ذلك يتطلب العلم. وطلب العلم أضناني وعذبني، وامتلاكه أعجزني. ولقد فشلت. أنا الآن لا أستطيع أن أكمل قراءة كتاب فضلاً عن أن أمتلك الحقيقة. إن حاجة روحي وجسدي لك كانت عظيمة. ولقد غلبت غيرها من نوازعي فغرقت في التجارة؛ التجارة التي استنزفت عقلي ووقتي وهمتي. كنتِ أنت حدثا عظيما في حياتي. وجدت فيك ما أردت وأكثر. وما قلته بأنك كنت نافذتي إلى الكون كله فصحيح. ولكنها … ولكنها لحظات يا هدى، لحظات.
تعكر وجهها وقالت بغضب: حقا إنك رائع يا يوسف، رائع في كل شيء. إلا أنك، للأسف موهوم ومريض. أمرضتك الفلسفة التي رضعت منها سنين طويلة. أمرضك وجدانك المتعاظم، المستوفز في كل حين.
يوسف: أتظنين أني سأخالفك؟ كلا، فأنا أؤيدك تماما. إنني مريض منذ زمن. ولقد اشتد مرضي في هذه الأيام الأخيرة. لم أعد أحس أن طفلنا امتداد لي كما شعرت في البداية. إن ما أخشاه هو أن يكبر الطفل ويرى أباه نموذجا للرجل الذي فشل في طموحه ورضي أن يكون عاديا، كالملايين الأخرين.

اشتد به البكاء وصاح: اللعنة.. لماذا انقلبت الأمور هكذا؟ أتذكرين عندما كنت سالكا على طريق أهل الله، أنتظر أن يفتح الله علي فأصبح وليا عارفا؟ كنت أتمنى أن اصبح من المقربين لا من الملايين من أصحاب اليمين. أما الآن، هه … أتمنى على الله أن يدخلني الجنة حتى ولو متعلقا بقدم واحد من أصحاب اليمين. لقد أردت أن أكون تقيا حقا، أعبد الله كأنني أراه. ولكن الآن، من لي بتلك المنزلة؟ من أين لي ذاك الشرف. لقد أفلت زمام الأمور من يدي. تهت عن نفسي وتاهت عني. عندما أفتح الكتب التي كانت تشحن روحي بالقداسة وتمدني بحياة القلب لا أجد سوى كلمات وسطور لا روح فيها.
قامت الزوجة متوجهة إليه: حبيبي، خل عنك هذا التشاؤم. كل هذا سيزول، فأنت رجل متقلب جدا. إنك كالريح في اليوم الصائف؛ لا تدري متى تهيج ومتى تكون نسيما رقيقا مفعما بالحياة. اهدأ ولا تسترسل حتى لا تطول موجة السواد.
يوسف: آه … ماذا أفعل؟ يا إلهي، كم أنا ضعيف. أنا لست ريحا يا هدى. أنا زهرة في الريح ذبلت قبل الأوان وتفرقت أوراقها في مشارق الأرض ومغاربها. أنا بين يديك بعضي، وكلي آل على نفسه ألا يلتقي. إلهي، متى ستسمني عبدك؟ متى أكون عبدك بحق.
هدى: لن يخيبك الله يا يوسف. كن متأكدا. لكأني أراك الآن في سماء ما يحفك النور وتشرب من كاس ترويك ولا تمنع  عنك ابداً.
يوسف: أنا اعتقد ذلك أيضا. ولكني يجب أن أتأمل المثل العقلية. ترى، ما الذي جعل “كانت” يحيا حياة هادئة منظمة وجعل “نيتشه” يحترق بنار نفسه وينتهي إلى الجنون؟ لقد رأيت ذات ليلة، وأنا مستيقظ، مغمض عيني أنني أصافح الشيطان. لقد ذعرت. تخيلي هذا المآل، أن يعقد الإنسان عقدا مع الشيطان. إنه مآل مخيف … مخيف. هاه … أنا لا أريد أن أكون كالملايين الأخرين؟! لا بل إن هذا هو عين ما أريد.
هدى: إنك لا تدري ما تقول. أنصحك أن تذهب للنوم. وبعد قليل سوف تكون في الغد المشرق الجميل يوسفاً جديداً.
لف الصمت الغرفة لوهلة. ثم هتف يوسف بصوت متكسر متحشرج: أما آن للغريب أن يرى حماه؟
قام متثاقلا يمشي بخطوات وئيدة، ثم وضع رأسه على الوسادة وتنهد آهً محترقة خالها وصلت عنان السماء. استلقت هدى مقابلةً ظهره تنظر إليه وتفكر.
أقبل النوم من بطن الصمت ليحتضنهما بحنان وإشفاق. فما لبث عالم اللامعقول أن أرسل جنده قاصدة يوسف.

 7 الهوية   (قصة قصيرة)

III
مر ليل طويل … واقبل الصبح.
استيقظ يوسف قبل زوجته، متحطم الأضلاع، متصدع الرأس. وقام كالثمل إلى الحمام ليغتسل. عاد بعد دقائق وحالته الجسدية أفضل. وما إن رجع الى الغرفة حتى أفاقت هدى من نومها، مبتسمة تنظر إليه وهو يمشط شعره الأسود الفاحم ويغمر نفسه بالعطر الزكي. فراح يتأمل وجهها بافتتان وقال:  ألم اقل لك كم أحب وجهك عندما تستيقظين؟
هدى: بلى، ولكني لست مقتنعة.
يوسف: أحب آثار رحلة النوم الغامضة على عينيك. أحس بأنني أقرب منك. فأنا يسرني أن آلف تفاصيلك وأستكشف خفاياك، ويسعدني أن أحبك في كل أحوالك.
هدى: يبدو أنك في مزاج حسن. ألم اقل لك أمس؟
يوسف: أجل، مزاجي حسن. لأنني أحمل في جعبتي قرارات مهمة، هديت إليها في عالم الغيب.
هدى: استر يا رب. خيرا إن شاء الله؟
يوسف: هذا ما لا أعلمه. إنما هي محاولات.
هدى: قل لي إذن.
يوسف: ليس الآن.
هدى: بل الآن، وكف عن ألاعيبك.
يوسف: اذا كنت مصممة. ولكني أحببت أن تفطري أولا ونشرب القهوة معا.
هدى: حسنا. كما تريد.
نهضت بسرعة. ومتفائلة كعادتها تناولت الفطور وجهزت القهوة ثم لحقت به الى غرفة الجلوس.
هدى: نعم … ها هي ذي قهوتك أمامك. فتكلم.
يوسف: انتظري حتى ادخل في مزاج القهوة وأشعل سيجارتي.
ارتشف رشفتين بينهما سرحة طويلة ثم أشعل سيجارته مبتسم العينين وتوجه إليها قائلا:
ما رأيك … ماذا تقولين لو … لو…
هدى: لو ماذا ؟!
يوسف: لو أنّا نتطلق.
هدى: لا داع للمزاح. وأنت تعرف أنني أكره هذه الكلمة.
يوسف: إني لا أمزح. وأنا جاد فيما أقول. إنها طلقة واحدة ثم نعود بعدها بالتأكيد.
هدى: يوسف، لقد أتعبتني كثيرا. ألم تكفك البارحة وغيرها. أهذا ما يمليه عليك حبك العظيم لي؟
يوسف: فكري بالأمر وثقي بي، فقد يكون فيه خيرا كبيرا.
تمالكت نفسها وقالت برزانة: الآن اتضح لي أنك لا تحب إلا نفسك.
يوسف: هه … لو كنت أحب نفسي كما أحبك لكان حبك لي اكبر مما هو عليه الآن. أنا لا أحب نفسي ولكني أخاف عليها. فما هو الحب؟ الحب هو حركة انتقالية بين نقطتين بينهما مسافة ما. فهل ترين أنني نقطتان؟ أنا نقطة واحدة. فكيف لي أن أحب نفسي؟ وهل تظنين أن “نارسيس” كان يعلم أن ما رأى في الماء هي نفسه حتى غرق فيها حبا؟ أما أنت فالنقطة التي ينطلق إليها حبي. ولكني أتأسف أنك لست في كل الجهات. ولقد حزت قسما عظيما من حبي ولكن ليس كله.
لا تغضبي. فليس هذا ذنبي. إنها طاقة هائلة فيّ. وهي نهر دائم التدفق وبئر لا تنضب. إن لم تجد ما تتوجه إليه فأين تذهب؟ إلام تؤول؟ هي لن تفنى حتما، ولكنها ستتحول الى طاقة أخرى سلبية. ستتحول إلى كراهية. وأنا في حالة الكراهية نقطتان، لأنها ليست من طبعي ولا من جوهري. فهي ستتجه إلى الأشياء وإلي قبلها.
لذا فارحميني وحلليني من كل شيء ولو لأيام معدودة، لأن البحث في نفسي لم يُجدِ شيئا، فهو بحث عن شيء أحدده مسبقا. أما في الخارج؛ في الشوارع والصحارى والجبال فسأبحث عما ينتظرني، عما لا أعرفه. فغالبا ما تكون النجاة في ما لا نتوقع.
هدى، لقد كنت دائما متفهمة لي لأنك مؤمنة بمقدار حبي لك، وأني لست بالرجل السييء. وأنت تدركين الآن أن مشكلتي عجيبة. وهي حقا تؤثر على عقلي وأعصابي. فأنا أمام خيارات صعبة ومتناقضة جدا:
الخيار الأول هو أن أحيا لتأمل المثل العقلية. وهذا يتطلب مني المثابرة المجهدة على التعلم، والتفرغ لاستقراء الوجود. وتشريح نفسي بمبضعي العقل والقلب. وهو يتطلب أيضا أن أتركك وأعيش وحيدا. وهذه مخاطرة لأني إن فشلت فسأفقدك وسأفقد عقلي.
الخيار الثاني هو أن أفنى في الله وأغيب عما سواه. وهذه أيضا مخاطرة، لأني أخاف أن أقع في جرم ما فأطرد عن بابه وأبقى فريسة لنفسي؛ عدوي الأول.
والخيار الثالث هو أن أبقى معك وأفنى فيك وفي الناس فأكون شخصا عاديا كما هو الحال الآن. ولكنني غير سعيد؛ فلا أنا أحيا في حب كل الأشياء باستمرار، ذاك الحب الذي فيه بعض العوض عن الخيارات الأولى. ولا أنا متخلص من كره الكثير من الأشياء وأولها نفسي. الكره الذي يفت في عضدي.
كيف يحيا الإنسان وهو يكره نفسه؟ كيف يطيب له عيش؟ لا أريد أن أحب نفسي، فذاك مستحيل. وإنما أريد أن أرضى عنها وأن أرضيها.
هدى: فهمت. ولكن ماذا الآن؟
يوسف: لا شيء، ما رأيك في قراري. إنه متوقف على موافقتك. فإني أحب سعادتك كما تعلمين جيدا.
أجابت هدى بأسى وتصبّر: افعل ما يحلو لك إن كان حقا خيرا لك كما تقول. مع أني لا أعلم ما ستختار.
يوسف: لقد قلت لك إن تلك الخيارات صعبة ومتناقضة. ولقد اخترت أمرا رابعا. وهو أن لا أختار. أريد فقط أن أتجرد من كل شيء لفترة. وأن أمشي وأمشي، لا إلى مكان. فقط أريد أن أنتظر الخلاص ماشيا. ضحكت الزوجة باستغراب وقالت: آه منك ..آه. لا أدري ما الذي تفعله بي. لقد فهمت مشكلتك، ولكن ما لا أفهمه هو كيف تتم عملياتك العقلية. يوسف: هذا بالضبط ما أريد أن افهمه. أريد أن أقابل ملاكا أو نبيا أو جنيا ليطلعني على السر. ليس هذا تخاذلا مني أن اعرف وحدي.. ولكنه العجز بعد ألفي محاولة.
هدى: نفذ ما قررت ودعنا نرى كيف ستختم الأمور.
الزوج: أنت …، أنت …، أحقا تريدين أن أطلقك؟
الزوجة: هه … أنت من يريد ذلك.
وقف يوسف حائرا متخوفا، وراح يدور حول الأشياء بلا تركيز:
ولكن … ساعديني أرجوك. ساعديني أن أقولها.

dfgfgg الهوية   (قصة قصيرة)
ظلت الزوجة صامتة لا تدري ما تقول وقد ازدادت في عينيه جمالا على جمال. وازدادت منه في عتبة البعاد تلك قربا على قرب. فرفع يدها الى فيه وهتف: أنت … أنت..
أنت … أنا. أنت زهرة في الربيع. والربيع أنا. أنت ابنتي وأنا ابنك. أنت البحر وأنا النهر… وأنت سمكة في بحري.
حدق في عينيها، ولوهلة عاد إليه الكشف من خلالها. فأحس أن كل الأشياء تتخلل صدره وتمر عبره. الشجر والعطور، السماء والكواكب، البشر والطيور. أحس أن صدره قد غطى ما بين المشرق المغرب، فكبر وتعملق وبلع الكون كله. ثم.. ثم تصاغر وتصاغر، فوسعته الأريكة عندما هبط باكيا كالطوفان. بلل البكاء وجهه وصدره. وبللها هي التي ارتمت عليه واحتضنته، فكان بين يديها كالمشلول، ينبض كله كأنه قلب كبير.
يوسف: أرأيت … أرأيت كم أنا ضعيف وعاجز؟
هدى: بل أنت قوي، قوي جدا.
عندما رأته بين يديها هكذا كالطفل، قفزت الى مخيلتها صورة طفلهما فورا. في تلك اللحظة، هبط شيء ما على قلبها كأنه الوحي. لقد اختلطت صورة يوسف بصورة الطفل فشكلتا مزيجا غريبا فرأت هيكلهما كأنه كلمة “الحقيقة”. فأيقنت ساعتها إيقانا لا إراديا أن ما رأته هو حقا ما يبحث عنه يوسف. همهمت قليلا ثم قالت: يوسف، أتريد حقا أن تجد ما تبحث عنه؟
يوسف: طبعا.
هدى: إذن، فتعال معي.
يوسف: الى أين؟
هدى: تعال فقط؟
وسحبته الى غرفة الطفل الصغير الذي كان نائما وكان وجهه من العاج.
هدى: تعال. انظر إليه. انظر إليه مليا.
نظر يوسف إليه، ولكن لا كما ينظر إليه دائما. كانت نظرته مؤيدة بإحساس قوي وجديد كل الجدة. وكان التركيز يعلو وجهه.
هدى: أأدركت الآن؟
أحس بسكينة عظيمة تنزل عليه، ونشوة لا كنشوة الوجدان المستوفز الثائر. بل كنشوة الطفل الرضيع على أعتاب النوم. الطفل الذي لا تشغله هويته ولا يبحث عنها. الطفل المستغني بوجوده عن هويته، لأن وجوده هو عين هويته.
يوسف: حقا، إن صوت خرير الماء أحلى وأعذب من صوت غليان البركان. إنها صورة رائعة… فما الحقيقة بعدها؟ عجبا لهذا الطفل! هل هو الحكيم الذي أنتظره؟ يا صغيري، إن الحكمة تضيء في وجهك. ترى من فينا ابن الأخر؟ وماذا سأتعلم منك؟ … أجل، إن ملكوت الأرض … أغنى مما نتصور.
هتف ليسمع زوجته: ملكوت الأرض … ملكوت كل شيء.
………. كل الناس خيرٌ منك يا يوسف.

تمت
(كُتبت سنة 1995)

 

عن الكاتب

avatar

يسار إبراهيم الحباشنة

عدد المقالات : 48