انت هنا : الرئيسية » فلسفة » (غوته) المهاجر إلى الشرق، والباحث عن الفطرة

(غوته) المهاجر إلى الشرق، والباحث عن الفطرة

(غوته) المهاجر إلى الشرق، والباحث عن الفطرة

الشمال والغرب والجنوب تتحطم وتتناثر
والعروش تُثَلّ، والممالك تتزعزع وتضطرب
فلتهاجر إذا إلى الشرق في طهره وصفائه

هكذا استهل الشاعر الألماني غوته (1832-1749)  قصيدته “هجرة” في “الديوان الشرقي”، إستهلالا لا يُثبت سوى “الشرق” مثابا للروح ومهجرا. وينفي عن سائر الجهات الثبات والسكينة والصفاء. غوته: الشاعر والفيلسوف والعالم .. ورجل الدولة، الغربي الخالص، يجهر بدعوته إلى هجرة الأرواح والأجساد إلى الشرق حيث الفطرة والطهر، مع أنه هو صاحب مسرحية “فاوست”. وفاوست هذا شخصية أدبية باتت عند “اشبنجلر” رمزا للحضارة الغربية التي يسود فيها الإنسان الكون بغير استسلام للمطلق وبغير تقديس “لأسرار” لا تُفشى فتُمتَلَك. فهي الحضارة الغربية وهي الحضارة “الفاوستية” والمسمى واحد.

تبهجني قراءة “الديوان الشرقي للمؤلف الغربي” لغوته، ذلك الديوان الذي يحفل بالدرر والعطر، وبالمفاجآت الملونه فينزل بذلك في قلبي “نزول اليماني ذي العياب المحمّل”، عندما أقرأ فيه “المديح النبوي” الصادق، وأقرأ عن القصص القرآني بفهم الشاعر، ثم أراه يتحدث باسم حاتم الطائي، وأسمعه يناجي “حافظا الشيرازي”. ثم يخرج لي جواهر من وحي “يوسف وزليخا”. وبعد ذلك يرتحل على “سرج سابح” إلى عمق أعماق الشرق. يجوب الصحارى وحيدا مع البسيطة والسماء ليعرف فيها الله كما عرفه الأعرابي الذي كان يكتفي بكليمات من فم النبي، ثم يمضي ليعبد الله بها. ثم ينشيء قصيدة عن أهل الكهف، يدخل فيها معهم “الكهف” (رمز الحضارة العربية) ويقول على لسانهم:

إن الواحد الذي خلق الشمس والقمر
ودوّر فوقنا قبة السماء ذات النجوم
هذا هو الله، فلنهرب

وكأنه بذلك يبتغي العمل بنصيحة الآية الكريمة “ففروا إلى الله”.. وهذه هي دعوته إلى “الهجرة” والفرار إلى الشرق. لأن الفطرة عنده في الشرق، والله يُعرف هناك. فهناك إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب. ومن هناك موسى والمسيح ومحمد عليهم السلام. فهجرة غوته كانت من إله الفكرة إلى إله الفطرة. من إله الفلاسفة واللاهوتيين إلى إله الأنبياء. وهذه دعوة تشبه صرخة باسكال: “ليس الإله الحق هو إله الفلاسفة وإنما هو إله إبراهيم وإسحق ويعقوب”.
لم يكن الشرق الذي ارتحل إليه غوته شرق علماء الكلام وفلاسفة المسلمين. بل كان شرق الأنبياء والصوفية. ولم يكن الإيمان الذي يرغب فيه إيمان فلاسفة الإسلام ومتكلميهم. بل كان إيمان “عجائز نيسابور”.
أقرأ قصيدة “هجرة” لغوته كغربي يقيم في الشرق، أو كراع شرقي من سالف الدهور يفاجأ كل يوم وليلة بأنه قد زج به في غرب التوتر والكآبة والزعق .. أسمعه يقول:

الشمال والغرب والجنوب تتحطم وتتناثر
والعروش تُثَلّ، والممالك تتزعزع وتضطرب
فلتهاجر إذا إلى الشرق في طهره وصفائه
كي تستروح جو الهداة والمرسلين

هنالك ، حيث الحب والشرب والغناء
سيعيدك ينبوع الخَضِر شابا من جديد
إلى هنالك حيث الطهر والحق والصفاء
أود أن أقود الأجناس البشرية
فأنفذ بها إلى أعماق الماضي السحيق
حين كانت تلتقي من لدن الرب
وحي السماء بلغة الأرض
دون تحطيم الرأس بالتفكير

هناك حيث الآباء يقدسون
وعما يتقدم به الغريب من خدمة يمتنعون
أجل، هنالك أود التملي بحدود الشباب
فيكون إيماني واسعا عريضا، وفكري ضيقا محدودا
وأود أن أتعلم كيف تقدس الكلمات
لا لشيء إلا لأنها كلمات فاهت بها الشفاه

وفي يميني أن أدخل في زمرة الرعاة
وأن أجدد النشاط في الواحات
حين أرتحل في رفقة القافلة
متجرا في الشيلان والبن والمسك
وفي عزمي أن أسلك كل سبيل
من البادية إلى الحضر ومن الحضر إلى البادية

“دون تحطيم الرأس بالتفكير”. كلمة تعلق بالرأس من دون سائر القصيدة، وكأن قائلها يتسائل:
هل يجب أن يكون المرء عبقريا حتى يكون جيدا!
ألا يمكن أن يكون “العادي” أفضل وخيرا من “الممتاز”!
ألا يصح لنا إيمان بغير تعب العيون وحمل الأسفار؟
هل البشرية الآن أسعد بإيمانها المعقد أو بكفرها الرافض مما كانت عليه قديما بإيمانها البسيط؟!
كلمة أراها تهدي عصا لتحطيم صنم العقل، الذي أصبح الغرب إزاءه في حيرة أشد من حيرة الشرق. وبات الغربي معه في علاقة كعلاقة العابد المتمرد بإله مصنوع؛ يرغب فيه ساعة ويرغب عنه أخرى.

أسمع قصيدة غوته الجميلة هذه فلا أملك إلا أن أنثر بعض الشعر بوحيها مخاطبا صاحبها:

ليتك الآن حي يا غوته ..
لترى أن الشرق لم يعد شرقا ..
أصبح غربا، غربت عنه القداسة
ففقد السحر الذي كنتَ إليه ترنو،
ونُزع عنه ثوب البساطة الجميل؛
ذلك الذي كنتَ به تحلم.
كم حلمتُ بما روادك من هجرة،
فتحطمت أحلامي ألف مرة
على جلاميد الواقع الذي “ينبغي”،
والأحداث التي “تتحتم” ..
والأفكار “الكبيرة” التي تتلاطم،
وكم عوضت عن ذلك التحطم،
بالنوم الهاديء الناسي
على قارب صغير ..
في خِضم.

 

عن الكاتب

avatar

يسار إبراهيم الحباشنة

عدد المقالات : 47