انت هنا : الرئيسية » مذكرات » من أكون؟ ( بدايات تكوين الوعي )

من أكون؟ ( بدايات تكوين الوعي )

من أكون؟ ( بدايات تكوين الوعي )

سكن جسمي قليلا… انبعث الصمت من أوصالي وشاهدت طيور الذكريات تهيج بعد الرقاد واحدا تلو الآخر وتحلق في سمائي. يتنافس كل منها أن يحط على رأسي.
تذكرت نفسي – كما تُرى الأطياف – صبيا في الثالثة عشرة من العمر. قد هامت روحه بالمكتبات هيام العاشقين، فأصبحت قرة عينيه. استغفر الله، ما كانت عيناه لتقر ساعة دخول المكتبات ولا روحه. بل كانت تلك اللحظة التي تثِبُ فيها الروح من قمقمها، وتقفز العينان هنا وهناك. عبر الرفوف، وخلال الممرات، تبحثان عن ضالة لهما توشك أن تظهر.
هناك … في “شارع السلط” في عَمّان، وفي جنبات المسجد الحسيني، حيث زُرعت المكتبات كالنخل الوارفة، وأينعت رطبا جنيا. هنالك دنى جناها من روح فتى لا مرشد له. يرى في الكتب عرائس نور تبذل دونهن الأجسام وترخص لهن المقل. وكأنه حين يلج المكتبة ويواجه الكتب صوفي على أعتاب الكشف.
وكأنه إذ تسود يداه من تراب الكتب، ناسك على طريق الحق، زين يديه ترابُ الصلاة.

يا له من صمت مقدس كان يلف قلبه ساعات الاكتشاف تلك. كأن الحياة كانت تهمس في قلبه برفق:
ها أنذا يا يتيم العلم افتح لك يدي لتحسن الظن بي. ولتعلم أن العرفان الذي منع عنك سنوات ، هو الآن مباح لك. فما عليك إلا أن تبحث عنه وتستخلص زُبدته. فاشرب عناء البحث خمرا بين يدي مأدبة العرفان.
هل كان وافر المعرفة التي اكتشفها قدَرا جديدا بالنسبة إليه؟ أم أن إرهاصات اختلجت في نفسه منذ الطفولة؟
فلقد كان يقول في نفسه بعد سنوات قليلة من تعلم الكلام: إن هنالك أمرا عظيما لا املك أن أعرفه الآن ويجب أن اعرفه يوما ما. انه يتعلق بحياتي والأشياء من حولي، التي تبدو لي الآن رتيبة وبسيطة، وليس عندي الكثير لأقوله عنها. فلا بد إذن أن يكون هنالك من لديه الكلام الكثير عنها.
ووافق ذلك القدر تلك الإرهاصات. فوجد الفتى نفسه وجها لوجه مع أجداده وأسلافه يخاطبوه:
أجل أيها الفتى الإنسان. صدق حدسك الطفولي. فلدينا الكثير حقا لنقوله لك عن أنفسنا وعن نفسك وعن الحياة. لدينا من المواقف والأفكار كتلك التي مرت بقلبك مر السحاب. فالآن تستطيع أن تتعهدها وترعاها متأسيا بنا. بل مهلا … فإنا سنتحفك بما لم يخطر لك ببال. لا عن عجائب الدنيا، بل عن عجائب شقيقتنا؛ نفسك التي بين جنبيك. التي ستغمسك في نهر الدهشة ما إن تمعن فيها النظر.

من هنا كانت نفس الفتى تعكف على محاريب علم النفس والدين والفلسفة والأدب دون غيرها. هنالك كان الفتى يناجي:
أية وشائج تربطني بكم أيها الناطقون بالمداد؟
وما كل هذا الذي تحدثني به نفسي فآتي لأجده في جعبتكم؟
كم من الأطياف والأشباح يغشاني فآتي لأراه يسبح في أنهاركم؟
يا أحبتي، لكم يسعفكم المداد فينطق بحالكم … ويعكس روحكم ورسمكم.
انقشوا على قلبي علومه بأقلامكم.
واسقوا روحي ماء حياتها من بحوركم.
سأنتزع منكم جوابا لكل سؤال. فلا شك عندي ببذلكم ووفائكم.

هناك … في ذلك المعبد … أدركت الروح أنها روح….. وتيقن الجسد انه إلى البِلى…. أُوقدت شعلة الحرب بين السماء والأرض … وأُحضر سقاة الكدح والسهاد بين يدي الفتى، وصُفَّت الأقداح …

بدأت الحرب بين العلم والجهل…. ومضى التبرعُمُ نحو النضج يطلبه حثيثا، متأرجحا بين الرجاء والقنوط.
ترى هل سيدرك الفتى منيته بعد أن نشرت الصحف وطلعت الشمس في سمائه بالنور الباهر؟
هاهي ذي سبل الوجود تتكشَّف أمامك أيها المجبول من العدم.
إلى أي تجليات الوجود سوف تجذب إلى غير رجعة؟
عليك أن تقرر من أنت حتى لو كان عن قرارك ألف عدول.

إن كنت شاعرا، فخض بحور الشعر واستحضر جِنَّته.
إن كنت قاصا، فاقصص آثار شخوص الحقيقة والخيال، ثم انسج نسيجك.
وان كنت فيلسوفا، فاخدم أولياء الحكمة واصحب أنفاسهم. ثم طر بجناحي الدهشة والقلق حتى تصل مملكة الحقائق.
وان كنت صوفيا، فذر الوجود وما حوى، واخلع نعلي السعد والنحس لترفع إلى ثريا التحقيق وتمنح عصا التمكين. وآثر الله على الخلق وقف مع كلامه دون كلامهم. وحكم مصطفاه من السموات والأرض فيما يشجر بين عوالمك وسلم له تسليما.
أما إن أردت أن تكون جماع تلك المثل، فاحكم بينها بالحق واقسط فان الله يحب المقسطين.

masjed husseini من أكون؟ ( بدايات تكوين الوعي )
ها هي ذي عوالم النور ترسل أشعتها لتسهم في تكوين الفتى الروحي والعقلي ومزاجه الوجداني. انه إذ يقف بازاء الكتب يعتلج في داخله حب النفس والحكمة والشهرة والفضيلة والكمال، وحب الفن والجمال، وتأسره مظاهر الجلال. كل حب يريد الفتى لنفسه كي يستأثر به. فيا لعاشق كثر معشوقوه وعز عليه الوصال. فمن له بالوصول وشفاء الغليل، حين ترنو الروح إلى كل سبيل، وتفقد الصبر على متابعة الدليل.
ولقد قيل: من ضيع الأصول حرم الوصول. هذا ما كان يخشاه الفتى حين طال تردده بين الأصول والثمار. وسع وجدانه كل ما رأى، ولكن ضاق عقله عن جله. كان يعجل إلى الفروع لقطف الثمار متجاوزا الأصول، ليرجع إليها بعد حين مثقل الكاهل منهك الوجدان. لقد رام قمم الفكر وشائكه قبل الأوان، فأُشرب الأغاليط مع الحقائق. فماذا عليه لو وقف مليا عند القواعد، رفيقا بنفسه عارفا قدرها.
كانت عيناه في تلك البدايات دائمتي الشخوص إلى الغيب. ورجلاه تجهدان سعيا لطي بلاقع المحسوس. ومن هنا كانت الهوة عميقة جدا بين عالم الأرض وعالم ذاته الذي ولج إليه حقا بولوج المكتبة. فما إن يخرج منها حتى يصطدم مع ما يسمى بالآخرين؛ ذوي العدد الكبير. وفي كل مرة يخرج، فثمة نفس الصدمة:
ما هذا؟! أين التفرد الذي رفعني أعلى الممالك قبل حين؟
أين اختفى عالم الجمال والنور الذي غمرني بالبهجة؟
ومالي لا أرى في هذه الوجوه سوى مرارة الأقدار؟
ما لوجوههم وأحوالهم تقرعني في صميم قلبي وتعرقل عروجي إلى السماء بشتى الأسئلة والاستفسارات؟ لماذا لا تتركني وأسئلة نفسي لأحلق في سماء وجودي حتى أظفر بنجم سره.
آه … كم يقيدني أشباهي هؤلاء. فلو انهم لا يشبهوني ولا يشاركوني الكثير لأراحوني من فقدان نفسي في لجتهم.
كان عجولا كما هو الإنسان في بواكيره أينما كان. منطلقا إلى الحكمة بكل ما أوتى من حياة وعزم، لكن فاقدا الأناة التي هي صنو الحكمة. ولكن هل يضيق بحر الجود بالواردين حتى وان وردوه عجالاً؟ كلا، فلقد ورد الفتى وتضلع وجدانه شربا و عبّا من بحر الخلود. فاغتذى طيفه من حب الخلود ونشأ على امتثال مظاهره والسعي لأن يكون مرآتها.
لا وقت عنده للانتظار. يجب أن يدخل جنة الأدب ويطعَم كل ثمارها حتى يقف على جهات الكون كلها إن استطاع، فتكتحل عيناه بأجمل الرؤى وأدقها. وينعم قلبه بأصدق المشاعر وأنفذها. وتطرب أذناه بأفصح الكلمات وأبينها. لقد جذبه الأدب لامتزاج الصدق فيه بالجمال والعذوبة. فأية نعمة هذه التي تجتمع فيها تلك الصفات! فإنك تجد في العلم صدق الإنسان مع الأشياء، ولكن الجمال فيه أبسط وأدنى، والعذوبة فيه عن البدايات أعز وأقصى. أما الفلسفة، فالصدق فيها أظهر وأضنى، والجمال أعمق غورا وأكْدى. وأما مشربها فلا تكاد تذوق فيه العذوبة إلا خلسة المختلس؛ فهي جلال فوق جلال.

ولكن هل يعني ذلك أن يخلد الفتى إلى جنة الأدب التي لا يجوع فيها ولا يعرى؟ هل سيظل يجابه الوجود من خلف أستار البديع، رجّاعا إلى الجمال بعد كل تطواف؟
كلا … فإن نوازل القدر وقوارع السماء ينابيع تَفَجّرُ بفيضٍ من الأسئلة غامر، وفيضانٍ من القلق جارف. وتهتف: تفيأ ظلال الأدب كما تشاء. فلا بد أن تقف في هجير الفلسفة آناءً وآناءً.
إن في جنتك الأدبية للفحات من ذلك الهجير. حيث تسكن الروح سكنة إدراك الجهل الأولى. وترمي ببصرها نحو آفاق الوجود اللامتناهية، لترجع بالجهل العميق والنقص الأصيل. لن تظل حواما حول مظاهر الوجود. بل سيجرفك الطوفان إلى الوجود ذاته وقرينه العدم. وأي وجود هو؟ وجود الله ووجود الكون ووجود نفسك. اجل، وجود نفسك. هذه هي نقطة الانطلاق التي لا مناص منها. انه التيه الذي ستدور فيه سنوات حتى ترضى أو تنسى. إن رضيت، فهي نعمة كبرى. وإن نسيت، فسوف تخسر الكثير من هويتك ومصيرك.
كانت لا إله إلا الله في الفتى نزوعا وافق تقليدا.
ورثها عن أبويه؟ نعم. ولكن هل كانت وراثته لهذه الكلمة العظيمة سببا في إيمانه؟ أشك في ذلك. بل إن إيمانه القديم هو السبب في وراثته لها. ولو انه لم يرثها بالتقليد، لطار إليها بجذب أنوار التوحيد. التي هي شمس الأرض، تمتزج بهوائها ومائها وترابها.
هل حرمت الأرض من عطائها أحدا؟
فكيف بمن كان في الأزل موحدا؟
فليتمتع بالأرض. وليشرب من مائها بما فيه من الحق والباطل. فلا اله إلا الله شمس ذات رجوم في سماء المؤمن. هي النعمة والفضل الذين لا رادّ لهما. كما أن السوء لا رادّ له.
تذكر الفتى أنه عندما كان طفلا دون الخامسة – وقبل أن يتعلم الكتابة والقراءة – كان يرى اسم الله في المرآة كلما اقترب منها قربا شديدا، ويدرك أن هذا اسم الله دون معرفة سابقة برسمه! كان يراه بخط مضيء متلألئ. فيشتد عجبه. وكلما اقترب من المرآة ازداد الاسم وضوحا، وكأنه محفور بين عينه.
ولكنه بعد ذلك بسنين، كان يقترب من المرآة فيرى نفسه ولا يرى الاسم. وهكذا انتقل من لطافة العهد الرباني إلى كثافة الكيان النفسي. فاحتجب عنه الاسم … أو احتجب فيه.
إنه أوان النفس وحظها. هي الآن ذات مجردة متفحصة، والصور هي موضوعها.

صور .. صور .. صور. كخيوط النسيج التي تُجمع وتُركَّب .. إلى أن تبلغ أجلها. وأجلها هو أن تصبح تصورات، تتراكب، إلى أن تصير مفاهيم وأحكاما. وبعد ذلك تشد الرحال عودا إلى النفس، بعد أن نبتت الأيدي والأبصار.
وهاهنا الإبصار الجديد. إبصار الفتى لنفسه بعد أن انعقدت خيوطها بالكون كله. الآن، بعد أن انقسمت النفس على ذاتها، ولدت نفسا أخرى لتراها وتتفحصها. وتهتف النفس الجديدة بأمها:
أنت الحجاب بيني وبين الكون. مجالستي لك تروق لي وتذهلني. ولكن الكون ينتظرني، وله حق علي. إن أنانيتك البكماء تبخل أن تأذن لي بالمغادرة. الأجرام تسبح في الفضاء. وتسبح تحتها الخلائق. الكل يناديني كما ينادى من يصارع عرض البحر في ليلة ظلماء. رهين بين فصل ووصل.
أماه … حبيبتي، دعينا نجوب أركان فسيح الأكوان. أنا وأنت، يدا بيد. لا تتركيني حبيسة في شَرَك عقوقك. أنا وحدي أرى السماء جبال واقعة بي. ولكنا معا سنراها قباب نور. أنا وحدي أرى البشر كائنات مشوهة مقيتة. ولكنا معا سنراهم أحباب البارئ الودود.
أنا وحدي الموت والأفول. وأنا وإياك، معا؛ الحياة والوصول.
أماه، إني أصارع جاهدة لحظة الصدمة … فأرجوك لا تدعيني أراها.
أريد منك النغم. النغم فقط. فأقصيني بربك عن العدم.
أقصيني عن العدم. دعي الوجود لي نعمة كما رأيته مراراً.
أقصيني عن العدم … أقصيني عن العدم

 

——————

كُتب بتاريخ: 2 يوليو 1996

عن الكاتب

avatar

يسار إبراهيم الحباشنة

عدد المقالات : 48