انت هنا : الرئيسية » خواطر » القلب القرمزي

القلب القرمزي

القلب القرمزي

إلى كل الذين يتطلعون إلى الجمال فيما أكتب، أقول:
إن جمالي من صنع يديّ. ولن يُزهِر في بستاني إلا بذوري. أَما الزهر الذي نبت في بستان غيري فقد يصير شوكا إذا ما سُقي بمائي.
جمالي لا يعرف الخطط المرسومة ولا يتخذها سبيلا. فإن ما يحتاج إلى السبيل هو المراكب. أما السبيل فلا يعوزه السبيل. وإن أرفدت السبيل الروافد، فهي ليست أمهاته. إن أمهاته إلا اللائي ولدنه من بحورٍ لا شطآن لها.
جمالي هو ما تلتقطه حواسّي مصحوبا بأنغامي التي يُسمع صداها في جوف بئري دائما لأني هكذا خلقني الله.. لا جوف لي بلا نغم .. مستيقظا أو نائماً، مفكرا أو لاهياً! وبدون أن تنزلَ بئري وتحتملَ ظلامها فلن ترى في لوحاتي الجمال المنشود. ولكن غيابةَ بئري، دنيا الجمال البراقة، حيث الألوان الأصلية بعددٍ معلوم، والألوان الهجينة بلا عدد. هو الجبّ الذي تسرح روحي في ضيقه. وتبصر عيناي في ظلماته.

 

إنه قلبُ قلبٍ أحمر قان.
قرمزيته شديدة، ولكنها حياة الأبصار لا خطفها.
إنها حمرة سيالة تدعوك للشرب منها ولكنك لا تلبث أن ترتوي من مجرد رؤيتها. لأنك ترى معها الحياة باللون الأحمر الحيّ. فيزول عن عينيك باهت الصفار الذي يريد دائما أن يصبغ الأشياء بصبغته الجدباء المجدبة.
أتدرون أنني بعدما أدخل الجب وتنقشع الظلمات لعيني عن ذلك القلب القرمزي، تأخذني نشوة التحديق كل مأخذ. وقد أظل أياما أحدق في ذلك القلب القاني. نعم .. إنه نفس المشهد. نفس اللون، ونفس الضخ والسيلان. ولكني إزاءه كمن ينظر إلى شريط الحياة الغني. بل شريط كل الحيوات. فلا أعدم الجديد كل لحظة والمثير كل آن.
وقد تسألون: أين الجديد وما المثير؟
فأقول: إن ذلك التدفق الأحمر لغة بلا حروف ومقاطع. تترجمها الروح ولا يفك شيفرتها أكثر الناس. ولا أقرّب معناها وأُجمِله إلا بأنه أنشودة متكررة يقول أولها:
أنا الحقيقة الجميلة للأشياء القبيحة.
أنا رقدة الطفولة المسعودة قبل صحو الشباب والكهولة.
وأنا يافع صحو الشباب العطِش، بعد قانعِ رُقادِ المِهادِ الريّان.

 
أأقول أن هذا القلب هو وليد الفردوس الأعلى؟
أجل .. ولكنه وصف قاصر عن بيان الحقيقة. الفردوس الأعلى! ومتى كانت الأوصاف أسماءً! ما الوصف الحقيقي إلا صُوَراً تراها المُقل وتحيا في خطوطها وألوانها الأبدان السعيدة. فإذا أردت أن تعرف هذا القلب على حقيقته فاقتطع من كل الوجود ما هو حيٌ وسعيد وغنيّ. فإن ذلك هو القلب القرمزي.
ارتد الأقطار فخذ من اليونان ألحانها ذات إغماض العيون المنتشي، ورقص القلب الغارق فيما تَشَبَّه بالجنة من الدنيا. ولا تنس أن تحمل في رأسك حكمتهم وفي قلبك حبها.
ثم حُط في مملكة الألمان. فعبّ كؤوساً من الحنين إلى الحق من عيون حكمائها. واصعد إلى سماء اللامتناهي مع الحان بلابلها الشادية.
وإذا أردت أن يغمرك بحر التاريخ الغامض السري، وأن تحس بالرعدة لما يمثل من هول حقائق البشر إذا اجتمعوا، فعليك بمصر القديمة.
ثم مهلا .. ففي تلك الغرفة السديمية من القلب انغرس المثلث الهندي، وحكماؤه متربعون في غيبتهم عن الأشياء بالأشياء، وفي غبطتهم بموتهم في حياتهم وحياتهم بموتهم الولود.
فتربع معهم قليلا ثم تعال .. هات يدك وتعال معي. فهاهنا الغرفة التي سنغرف منها حتى نتضلع. حيث الشرق الحقيقي لشمس الحق.
حيث جدُّ أُور.
فالتابوت والبحر والطور.
فربوة ذات قرار ومعين، والنخل ذو الرطب.
فوادٍ غير ذي زرع، وحرم القلوب الآمن.
فكمال جمال البشر، محمدُ القلوب، محمود الإنس والجن.
جمالٌ صافٍ مصطفىً. وسعد متردد بين الغمام والأديم.

 

وبعد .. فهلمّ نطوي بقليل الخطى عديدَ القرون. إلى الغرفة الجديدة بمعمارها الذي يذهل الروح فقيدة المعمار. ورفاهها الذي يحن إليه البدن ليعشق نفسه، ويخلع حمله، ليستروح ظله.
هل انتهينا من الغرف؟ إذا انتهينا منها فإن هذا القلب هو الكذبة العظمى والوهم الأصيل. وما غنى الوجود سوى نعت دخيل. وفقره هو الوسم المقبول.
إذن، فاصحبني أيها الخليل إلى مرابع خلتنا. وذر وجودك ووجودي لوجودها. وإذا أردت أن تضحك فلتلج وإياي غرفةً مليئة بأرواح ميتة وحيّة، ومخلوقات تشبه العنقاء في زخم الصفات ومجاورة الأضداد. ما إن تنظر إليها حتى تمد مخالبها لتنزع من صدرك ووجهك الضحك القسري. لأنك برؤية الأضداد العجيبة في وجهها ستقع عين وعيك النائم على نبع الحياة. فيجلجل كيانك ضحكاً قسرياً يؤكد لك التصاقك الحميم بنبع الحياة الزاخر.
هكذا أضحك دائما في هذه الغرفة التي أيقظت وعيي النائم على حقيقة ضحكي. فصار وعيي يضحك يقظا إذا ضحك الناس نياماً. وأعدك أنك ستصبح كمثلي، ذو ضحك كثير. يدغدغك وقار الحكيم قبل لهو الصغير. وتضحك بدون سبب دون أن تصدق فيك قلة الأدب. استغفر الله، بل ستضحك لسبب عظيم يحتشم في حضور أكثر الناس فلا يعرفونه. ويدق عن أفهامهم فبالعدم يصفونه.
تعال .. إلى أين أنت ذاهب! ..
يدي بيدك، فالانحدار قوي إلى ساحة الرقص.
أوَ تريد أن تضحك دون أن ترقص! فذاك الضحك المكتوم المحروم.
افتح باب هذه الغرفة عني.
ففيما وراءها رحيبة الساحات.
قد عُلِق حولها من الحرير رحرح الأثواب.
تنتظر ساكنيها من غضِّ ورعرعِ الأجسام.
فإلى عينيك نساء البجع وبجع النساء. حواليك هنَّ من الرقص في كل ضرب ولون. قد لفّتهن الأرواح السندسية، فحجبت عن رغائبهن رقص الشهوة، وحببت إليهن رقص الروح.
انظر إلى أصابعهن تشير إلى السماء، وأطرافهن تنغض إلى الأرض. ثم العيون إلى فوق والأيدي إلى تحت. والرؤوس يمنة ويسرة بلا ثبات. لا يثبت فيهنّ ركنٌ لكي يستنطقن مكنون أرواحهن رقصاً، دون أن يتركن مكانا في الساحة بدون احتلال أو مساس. هذا هو الرقص الذي يَثبُت فيه معنى الحياة باقتناص الزمان فريسةً وحيازة المكان تغيراً وتنقلاً.

 

أرأيت إلى الساحة خفيفة الزرقة والسماء غامقتها؟
البجع يرقص ببياضه في زرقة الساحة.
والنجوم ترقص ببريقها في زرقة السماء.
والموسيقى المراقصة، في كل خافتٍ باطنٍ من كل لونٍ جاد به الوجود.
أراك تنظر إلى الراقصات يحلُّنَّ في كل مكان ثم يسرعن الخطى إلى الجهات الأخرى لتأخذ نصيبها من حلولهن. وأنا وإياك الآن سنراقص من ديدنه الحلول. سنحل معهن ونرتحل، فنرافقهن في شغلهن الشاغل. فإلى خليلاتنا والتخلل.
…أراك تخرج من مرقص الروح نشوان مغتبطا. فبسرعة معي إلى غرفة الشاشات. هذه غرفة ذات خلفية سوداء حالكة. ولكنه مغطىً بالشاشات معظمها. سترى على الشاشات صورة القلب القرمزي مبثوثةً. نفس القلب على كل شاشة. فتربع وثبت النظر على أي منها. وأصغ بكل سمعك إلى صوت النبض المنتظم والضخ المتلاحق. انقباض فانبساط.
عِش مع انقباض العضلة الحمراء تجربة أشبه بالموت. كالنوم قبل الصحو السريع. كالتراجع قبل الانطلاق الهادر. أو كالضد الذي يسعف ضده. ثم مِل بقلبك قُدُماً مع القلب الكبير في انبساطه. فكن كقطرة في شلاله الدافق. تنقّل مع القبض والبسط في تلاحقهما. وقل لي، ألا تسمع خطى الغيب ترنو إليك؟
ولكنك لن تغيب حتى تفهم ما يقوله الضدان المتكاملان. اسمع .. انهما يذكران اسم: الله .. معاً، بلسان واحد.
فالقبض يذكر أول الاسم. والبسط يذكر آخره. ولا يكون واحدهما ذاكرا إذا ذكر وحيدا.
فالقبض يموت إن لم يكلل بالبسط. والبسط يموت ان لم يطلقه القبض.
الآن سوف تغيب بعدما عرفت.

 

… الساعة يتغير البث. وستظهر أمامك على الشاشات عينٌ كبيرة دعجاء حوراء. لها اسم في ملكوت القلب، هو “عين الجمال”. ولكن كن حذرا من أن تسحرك أو تصعقك، لأنك إذا نظرت إليها ستجتمع في رمْقتها كل العيون الساحرة التي رأيتها في حياتك. وستحتشد في شعاعها كل العيون الصاعقة. لأنها “أم العيون” وعينها القبلية والبعدية. حينئذٍ سيشملك معنى الإبصار السحري وسر الأبصار العجيب. وإن غبت يوما في عين حسناء فستغيب الآن في عيون فاتنات التاريخ، ما انقضى منه وما ينتظر. وإن غمرتك يوما عين حكيمٍ بمعاني الجلال. فستغرق الآن في عيون حكماء الأرض والسماء، فتكون أنت في الحكمة والحكمة فيك. أما العيون التي حزنت وبكت. التي تحسرت على مفقود أو اشتاقت إلى مرغوب. فسيصب حزنُها فيك نشوة الحزين. وتؤول حسرتها إلى قلبك أمل المتحسر. وشوقها سيكون فيك وصال الشوق قبل وصال اللقاء.

هذا شيء من عالم “القلب القرمزي”. حياة الموت وتاج الآلام من السعود.
حياة رحّالٍ من فردوس إلى فردوس. وعيدُ مسعدٍ في جنة الخلد ووصيفاتها من جنان الفناء.
هي الصائم آن فطره. مهرجان السعداء بعد هرج الشقاء ومرج العناء. النور الفياض في لب الظلام.
إنها جمالي الذي ذريت بذره في الدجى حالماً بينعه في النهار. وسقائي الذي لا أمنع زلاله عن الكرام من ضيوفي. فهذا القلب هو قلب كلامي. وما لا يشبهه من كلامي أو يقودك إليه فهو عرض كلامي الزائل. فإن رأيتني حانقَ الصوت لاعناً للحياة فقل: هو المريض قبل برئه، أو من ضاق صدره صعودا إلى سدرة المنتهى، التي يرقص في ظلها الألم والسعادة في زفافهما الوردي.

عن الكاتب

avatar

يسار إبراهيم الحباشنة

عدد المقالات : 47