انت هنا : الرئيسية » كتابات الوالدة » إنهم يقتلون الفرح

إنهم يقتلون الفرح

إنهم يقتلون الفرح

إنهم يقتلون الفرح

بلقيس حكمت العياشي (رحمها الله)

 

أفراد العشيرة نساء ورجالا، صغارا وكبارا بدأوا يتوافدون منذ ساعات الصباح الأولى الى بيت العروس. تصاعدت الرائحة الزكية للقهوة العربية السادة تملأ الجو بعطرها الأليف. اليوم ليس يوما عاديا. إنه يوم الفرح الذي يشارك في إحيائه كل من يمت بصلة ود أو قربى لأهل العروسين. كما أن الجاهة أمر في غاية الأهمية نظرا لإحتوائها عددا من وجهاء البلدة وبعضا من الشخصيات المعروفة من العاصمة.
امتلأت صالات البيت بالرجال وقد ظهروا في أفضل ما لديهم من عباءات وكوفيات حمراء وبيضاء مطرزة. والنساء في الداخل قد ارتدين ملابس جديدة لهذه المناسبة، وكذلك الأولاد والبنات صغيرهم وكبيرهم.
السيارات تملأ الشارع وتعرقل السير. عدد كبير منها ما إن يفتح باب إحداها حتى تنحدر منه مجموعة من الأطفال يقارب عددها العشرة أنفار مع الوالدين. ويعجب المرء كيف تأتّى لمثل هذه السيارة استيعاب هذا العدد من الأجساد.
الدار تعج بالمدعوين والمدعوات، والقهوة والشاي والسجائر تدار عليهم بين الحين والآخر في انتظار قدوم الجاهة، حيث ستتم بعد مجيئها مراسيم عقد القران. كما هي الأصول المتبعة.
طُلبت إبنة فلان الى إبن فلان، وبعد أن حصل الاتفاق بعون الله تم تناول القهوة السادة وقرئت الفاتحة. ثم قدمت الحلوى لأعضاء الجاهة على عجل وهم يهرولون للخروج.
وفي غرفة مجاورة، وأمام أقرب المدعوين صلة بالعروسين قال الأب أنه لا يمانع من تزويج ابنته وأنه لا يطلب مقدما ولا مؤخرا. هز القاضي رأسه هزة الخبير قائلا: في مثل هذا يجب أن يسبق التحسب حسن النية. وعلى الأب أن يحدد مبلغا يتوجب على العريس دفعه كمعجل ومؤجل. وهنا يبادر والد العروس ويذكر رقما لم يتم الإتفاق عليه مسبقا. يفاجأ العريس وأهله. فما زال هنالك مبالغ أخرى يجب تقديمها للمصاغ والجهاز وغيره. ولكن أين المفر؟ (القاضي  أمامكم والجدار ورائكم)، والعروس تنظر بعين ملؤها الرجاء والأمل. وفي سبيل القرب منها كل شيء يهون.
يحاول والد العريس الإحتجاج لعدم توفر المبلغ المطلوب. ثم يضطر للرضوخ ويقول بلهجة لا تدع للتراجع مجالا: لا بأس، لا بأس، سنتدبر الأمر. يتم عقد القران بعد ذلك ويتقدم الموجودون للمباركة، وقد تصبب وجه العريس عرقا وغمرته ابتسامة مصطنعة، ولكنها تصبح حقيقة حين يلمح وجه خطيبته المليح وقد أضاءته بسمة خجول.
بعد هذا يكون وقت الغذاء قد حان، وتكون سيارة قد قدمت من أحد المطاعم الكبيرة وأخرجت ما بداخلها من صواني المناسف والكنافة التي كان العريس قد أوصى بإحضارها.

سلام مقدس يسود المجتمعين من الرجال وقد تحلقوا حول موائد الطعام. ويترامى الى الأسماع ضجيج من الغرف الداخلية، إذ أخذت كل أم بالنداء على أبنائها لمشاركتها الطعام الذي لن يمر من حلقها إن لم تشاهدهم بأم عينها وهم يأخذون نصيبهم منه.
الطعام وافر، وبعض الولاد يرفضون الأكل فقد اشترى أغلبهم الحلوى وسندويشات الفلافل من الدكاكين المجاورة. ولم تعد لديهم شهية للأكل. فقد كانت المناسبة فرصة جديدة لهم كي يطلبوا من آبائهم نقودا لا يسع الأب الا أن يمنحها لهم بطيب خاطر خوفا من الطعن في كرمه أمام الحاضرين.
إنتهى الغذاء وأكل الجميع كما لم يأكلوا من قبل. والمناسف ظل أكثرها على حاله. فقد كانت أكثر من اللازم، ولكن توجب الإحتياط بزيادة الطعام، فكثرته في هذه المناسبات من أهم التقاليد. كما استهلكت كميات إضافية من الشاي والسجائر والقهوة. غادر الضيوف بعد تناول الحلوى. وهنا يقف أهل الدار حائرين أين يذهبون بكل هذا الطعام المتبقي، المكون من اللحم والأرز والصنوبر واللوز! هل يدفنوه في باطن الأرض كما كانوا يفعلون في السابق، أم أن الحل يكمن في دلق أغلب ما تبقى منه في أكياس القمامة السوداء؟

أجل إنها عشرات بل مئات الدنانير هي التي تُكدس داخل تلك الأكياس والتي كانت ثمنا لطعام لم يؤكل الا نصفه تقريبا.
هذه هي الحال في أغلب موائدنا وولائمنا، في أفراحنا وأتراحنا. ثم نشكوا من المديونية وتناقص الثروة الحيوانية وغلاء المهور وتعذر الزواج!

———————————

نشرت في صحيفة الرأي الأردنية

عن الكاتب

avatar

يسار إبراهيم الحباشنة

عدد المقالات : 47