انت هنا : الرئيسية » كتابات الوالدة » ترميم النفس

ترميم النفس

ترميم النفس

بلقيس حكمت العياشي (رحمها الله)

كل بضعة أعوام تحتاج بيوتنا إلى ترميم وطلاء وإصلاح، وإعادة صيانة ما تلف أو الاستغناء عنه والإتيان بالجديد عوضا عنه. وهذا واجب تمليه علينا ظروف الحياة من أجل المحافظة على بيوتنا وجعلها تتمتع بالمنظر اللائق وإعدادها لمواجهة الأحوال الجوية من رياح وعواصف وثلوج وأمطار. كما أن الاعتناء بها من الداخل يعيد إلى أنفسنا نعمة الشعور بالأمان والاستقرار.
وأتساءل وأنا أمر في هذه المرحلة كل عدة أعوام، وأقول لنفسي: أليس الأجدر بنا أن نعيد النظر في حياتنا، وأنفسنا التي تشرخت، وأرواحنا التي تكسرت، وأجسادنا التي هزتها أعاصير الزمن؟! ألا يجدر بنا أن نفكر أيضا بترميم وصيانة هذه النفوس التي تواجه أحوالا أقسى من العواصف، وظروفا أحرَّ من الشموس، ومصاعب أشد ضراوة من الثلوج.
لماذا لا نحاول أن نعيد الطلاء الأبيض لنفوسنا، ونملأ فراغات أرواحنا بالإيمان، ونتشبع بنوره، وأن نجدد نوافذ قلوبنا بالتفاؤل ونجعلها أكثر قدرة على استعادة المشاعر الإنسانية والحياة الطبيعية، ومواجهة أقسى الظروف وأشدها حلكة. ولتكن الانتصارات الصغيرة التي يحصل المرء عليها في حياته اليومية حافزا على الأمل بأنه لابد أيضا من انتصارات كبرى يحققها في مجالات شتى من حياته.
إن البسمة التي تعلو وجه الإنسان حين يقوم بعمل صغير ناجح هي بذرة البسمة الكبرى التي تغمر محيّاه حين يحقق أكبر طموحاته، أو أمنياتٍ كانت تبدو له بعيدة بعد القمر عن الأرض. فاليأس والقنوط قد يستهلكان العمر الذي هو أهم ما نمتلك، لأنه إذا انتهى لن تكون هنالك وسيلة لتجديده أو إعادته. قد يتشابك الخير والشر في أفعالنا حين تجابهنا تجارب واختبارات جديدة. المهم هو ألا يخسر الإنسان ذاته. ولنتذكر دائما أن الروح هي الخالدة، وأن إيماننا بفناء الجسد لا يعطينا الحق في إهماله.
إني أرى أن السعادة لا تتحقق إلا بتجنب العوم في الفراغ والقلق واليأس. كما أن إعادة تذكر الأفعال الماضية وتجنب تكرار الأخطاء والبحث عن لمحات الجمال في كل ما حولنا يمنحنا الإحساس بالراحة والطمأنينة. ولا أجد أساسا لترميم النفس الا دوام اتصال أسبابنا بالسماء وخالق السماء، التي بانقطاعها يهيم الإنسان مكبّا على وجهه في دياجير العبثية والقنوط.

——————

نشرت في صحيفة الرأي الأردنية

عن الكاتب

avatar

يسار إبراهيم الحباشنة

عدد المقالات : 47