انت هنا : الرئيسية » فلسفة » محابس الوهم .. وحنادس العتم

محابس الوهم .. وحنادس العتم

محابس الوهم .. وحنادس العتم

 

أذكر أنه في طفولتي طاف برأسي مرة خاطر. ثم ما لبث أن تحول إلى وسواس خفيف الظل.
فلقد اعتقدت لفترة ربما تزيد على العام أو العامين أنني سأحزن كثيرا وسيفوتني حظ عظيم إنا أنا متّ ولم أقد السيارة..
وأتَحصَّل على رخصة، ويصير اسمي في ملكوت السماء (سائق سيارة)!
لم أكن أجد تفسيرا لهذه الفكرة ولم يكن يعنيني أن أمنطقها أو أمعقلها.
ولكنها هكذا .. فكرة من بين الكثير من الأفكار والأوهام التي تجعل من الطفولة عالما عجيبا متأرجحا بين المعقول واللامعقول.
إلا أنها كانت أحيانا جدّ مزعجة، وخصوصا عندما أفكر أنه ما زال أمامي سنوات مديدة حتى أبلغ الثامنة عشرة، فأحوز رخصة القيادة.
طيب … وماذا لو متُّ قبل هذا؟ يارب. أرجوك. إن شئت فاقبضي إليك.. ولكن على الأقل بعد يوم أو يومين من حصولي على الرخصة، حتى أُبعث يوم القيامة في زمرة السائقين! ويقول الناس يوم الدينونة أن يساراً كان من الذي خطوا بشرف قيادة السيارات عندما كان في الدنيا.

تعجبون من هذا .. أليس كذلك؟ ولعلكم منه تضحكون؟ طيب ما رأيكم أننا كبالغين راشدين نفعل مثل هذا بالضبط، وأكثر منه. لا بل نحن غارقون فيه! أليس أكثرنا يفكّر كل يوم أنه يفضّل أن لا يموت قبل أن يتجاوز دخله كذا أو كذا ديناراً؟ أوليس منا من لا يرغب بالرحيل عن الدنيا قبل أن يتزوج ويُنجب، فيذوق طعم الزواج والأُبوة/الأمومة. وإذا كان أبناؤه قد تزوجوا، أفلا ترونه يرغب عن الموت قبل أن يصير جدّاً.
ولعل كثيرا منا لا يحبذ الموت قبل أن يحصل على شهادة الدكتوراه، ويظنُ أنه إن مات بعدها بسنة أو حتى بشهر فلا بأس.. أما قبلها.. فكارثة!
وكم منا من يكره الموت قبل أن يسافر إلى فرنسا أو أمريكا. وإن زارهما فيكره الموت قبل أن يطّوّف بالشرق الأقصى أو (الفار إيست) كما نرطُن.
ومنا من يكون “الموت” أرحم له من الموت قبل أن يذوق طعم الوزارة، وخصوصا أولئك الذين لم يتبقى لهم سوى “فشخة”.
ومن المتدينين – وخصوصا الشباب – من تضايقه فكرة موته كثيرا قبل أن يظهر المهدي فيكون معه، ويُسجل اسمه في جنده، بل وبعضهم قد ينتحر إن مات ولم يكن هو المهدي نفسه!

أكثرنا يا سادتي أولئك الأطفال بخيالاتهم وأوهامهم. لا يريد الواحد منا أن يموت قبل أن يحقق ذاته أو أمنياته. والذات والأمنيات كلها خيالات، وأوهام مضروبة في أوهام .. لا وجود لها خارج هذه الصناديق المتواضعة التي نسميها عقولا.. ونعتلها حيثما ذهبنا.
ليس لهذه الأمنيات والتشوّفات في ميزان الأبدية كبير وزن. بل لعله لا وزن لها.. في حين نظن نحن أنها تعني الفرق بين السعادة والشقاء أو الحظ والنّحس!
ولكن لا بأس من أن نعيش هذه الخيالات ونجرب تلك الأوهام، إذا لعلها مقدمة لوعيٍ أعلى أو من متطلباته. على أن نتجنب قتل بعضنا بعضا عليها.
ولا شك عندي أنه يوجد ندرة من الأفراد – قديما وحديثا – استطاعوا أن يخرجوا من محابس ذواتهم، ويتحرروا من قيود الأوهام هذه.
إلا أن كل خوفي هو أن أموت قبل أن أصبح واحدا منهم .. ولو ليوم واحد. icon smile محابس الوهم .. وحنادس العتم

 

عن الكاتب

avatar

يسار إبراهيم الحباشنة

عدد المقالات : 47